ابن كثير
205
البداية والنهاية
صبورا ، وكان عبد الملك سائسا ، وكان الوليد جبارا ، وأنا الملك الشاب . قالوا : فما حال عليه بعد ذلك شهر ، وفي رواية جمعة ، حتى مات . قالوا : ولما حم شرع يتوضأ فدعا بجارية فصبت عليه ماء الوضوء ثم أنشدته : أنت نعم المتاع لو كنت تبقى * غير أن لا بقاء للانسان ( 1 ) أنت خلو من العيوب ومما * يكره الناس غير أنك فان ( 2 ) قالوا : صاح بها وقال : عزتني في نفسي ، ثم أمر خاله الوليد بن العباس القعقاع العنسي ( 3 ) أن يصب عليه وقال : قرب وضوءك يا وليد فإنما * دنياك هذي بلغة ومتاع فاعمل لنفسك في حياتك صالحا * فالدهر فيه فرقة وجماع ويروى أن الجارية لما جاءته بالطست جعلت تضطرب من الحمى ، فقال : أين فلانة ؟ فقالت : محمومة ، قال : ففلانة ؟ قالت : محمومة ، وكان بمرج دابق من أرض قنسرين ، فأمر خاله فوضأه ثم خرج يصلي بالناس فأخذته بحة في الخطبة ، ثم نزل وقد أصابته الحمى فمات في الجمعة المقبلة ، ويقال : إنه أصابه ذات الجنب فمات بها رحمه الله . وكان قد أقسم أنه لا يبرح بمرج دابق حتى يرجع إليه الخبر بفتح القسطنطينية ، أو يموت قبل ذلك ، فمات قبل ذلك رحمه الله وأكرم مثواه ، قالوا : وجعل يلهج في مرضه ويقول : إن بني صغار * أفلح من كان له كبار فيقول له عمر بن عبد العزيز : قد أفلح المؤمنون يا أمير المؤمنين ، ثم يقول : إن بني صبية صيفيون * قد أفلح من كان له ربعيون ويروى أن هذا آخر ما تكلم به ، والصحيح أن آخر ما تكلم به أن قال : أسألك منقلبا كريما ، ثم قضى . وروى ابن جرير عن رجاء بن حياة - وكان وزير صدق لبني أمية - قال : استشارني
--> ( 1 ) بعده في مروج الذهب 3 / 216 . أنت من لا يريبنا منك شئ * علم الله غير أنك فان ( 2 ) البيت في ابن خلكان 2 / 421 ومروج الذهب . ليس فيما بدا لنا منك عيب * عابه الناس غير أنك فان وفي مروج الذهب : يا سليمان غير أنك فان . وفي الطبري 8 / 127 وفي ابن الأثر 5 / 37 . ليس فيما علمته فيك عيب * كان في الناس غير أنك فان ( 3 ) في نسخة : العبسي وهو أصوب ، فأخواله بنو عبس .